كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



قوله تعال: {وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ} الآية/ 22.
نزلت هذه الآية في شأن أبي بكر، فإنه حلف أن لا ينفق على مسطح الذي تكلم في إفك عائشة، وذلك يدل على أن الأولى بالإنسان إذا حلف على أمر فرأى غيره خيرا منه، أن يحنث ولا يستمر على اليمين.
وفيه دليل على بطلان قول أبي حنيفة في أن الأيمان تحرم، وإن الكفارة وجبت لكون المحلوف عليه محرما بحكم يمينه، وهذا أمر ليس في هذا المعنى، وقد قال قوم: إذا حنث فلا كفارة، وكفارته أن يفعل ما هو خير، وهذا بعيد، فإن صحيح الخبر يخالفه، فإن عليه السلام قال:
«فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه».
قوله تعالى: {لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها} الآية/ 27.
نقل عن ابن عباس أنه قال: قوله: {حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا} غلط من الكاتب.
ولا ينبغي أن يصح هذا عنه، فإن القرآن ثبت جميعه بحروفه وكلماته بطريق اليقين، ولا يجوز أن يضيع منه شيء بأمثال هذه الأسباب فإن اللّه تعالى ضمن حفظه.
إذا ثبت ذلك، قال أبو أيوب الأنصاري، قلنا: يا رسول اللّه، عرفنا السلام في الاستئناس.
قال: يتكلم الرجل بتسبيح أو تكبير ويتنحنح، يؤذن به أهل البيت.
وفي قراءة ابن مسعود: حتى تستأذنوا.
وقال ابن عباس: تستأذن على أمك وعلى أختك، وكل من لا يجوز أن ترى منها عورة.
وما نرى الأمر في السلام يبلغ مبلغ الوجوب، إلا أن الاستئذان لابد منه، وهذا الاستئذان ليس له حد عرفا، ولكن ورد في بعض الأخبار أن الاستئذان ثلاث، فإن أذنوا وإلا فارجع.
رواه أبو موسى وأبو سعيد عن رسول اللّه، وفيه قصة مع عمر ذكرناها في أصول الفقه.
قوله: {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ} الآية/ 28.
معناه أنه ليس يجوز أن يقول ليس فيها أحد يمنع، فالدخول مباح، بل الحظر أصل، إلى أن يرد الإذن، لأنه تصرف في ملك الغير.
وقوله: {حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ} أي حتى تجدوا من يأذن لكم، وإن كان الآذن صبيا أو رسولا فيجوز الدخول.
قوله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} الآية/ 30.
فلم يذكر تعالى ما يغض البصر منه ويحفظ الفرج، غير أن ذلك معلوم بالعادة، أن المراد به المحرم غير المحل:
فإن قيل: فهذا الخطاب خاصة للمؤمنين، أو يدخل معهم سائر المكلفين؟
فالجواب أن ظاهره للمؤمنين، ولكن المراد به كل الناس، من حيث علم أن ما يحل من ذلك وما يحرم لا تختلف أحوالهم فيه، وغض البصر قد يجب على كل حال في أمور، وقد يجب في حال دون حال في غيرها، فما ثبت أنه عورة، فغض البصر عنه واجب، وما ليس بعورة، فيجب أيضا كذلك، إلا لغرض صحيح، فإنه يباح عند ذلك.
قوله تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها} الآية 31.
يعني إلا ما لابد من النظر إليه، مثل ما يظهر من الثياب والدملج والخلخال والخاتم، والذي يتعلق بالمناظر، وما يباح منها وما لا يباح منها، يستقصى في كتب الفقه.
والمراد بما ملكت أيمانكم على المذهب الصحيح الأطفال. فأما الرجال فلا، إلا أن يكون محرما، والظاهر يقتضي خلاف ذلك، ولكن قياس الشرع يأبى مقتضى ذلك الظاهر.
وقيل المراد بقوله: {أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ} الإماء. حتى لا يتوهم متوهم أنهن لسن من نسائهن في قوله تعالى: {أَوْ نِسائِهِنَّ} واختلفوا في قوله: {غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ} فقال قوم: هو العنين، وقال آخرون: هو الأبله، وقال آخرون: هو الأحمق الذي لا إرب له.
قوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ} الآية/ 32.
ظاهره الأمر من اللّه تعالى بالنكاح الأيامى.
واختلفوا في ذلك، فمنهم من قال: المأمورون هم الأولياء، وهو مذهب الشافعي.
وفيه دليل على عدم استقلالهم.
ومنهم من قال: كل أحد إذا كان وليا أو مأذونا له.
والمقصود أنه إذا حصلت الرغبة منها وجب الإنكاح، وأنه لا يجوز العضل والمنع، وذلك يقتضي الاختصاص بالأولياء والحاكم، فإن هؤلاء الذين يجب عليهم التزويج دون الأجانب.
واستدل أصحاب الشافعي بما تعقبه من قوله: {وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ} وأن ذلك لما دل على سبب ولايتها، فكذلك في حق غيرها، وهذا تلقي الظاهر من اقتران المسلمين ذكرا، وذلك يدل على تساويهما حكما من وجه آخر، وهو أن الإنكاح قد يجب في حق الأيم والبكر البالغة، إذا طلب، وليس يجب في حق العبد والأمة.
فليس قوله: {وَأَنْكِحُوا} مما يمكن إجراؤه في الجميع على حد واحد، لأن منه ما يجب ومنه ما لا يجب، وهذا مما لا خفاء به، فاعلمه.
قوله تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} الآية/ 33.
أمرهم بالتعفف- عند تعذر النكاح- عما حرمه اللّه تعالى، وذلك على الوجوب.
وفيه دليل على أن إباحة الاستمتاع موقوفة على النكاح. ولذلك يحرم ما عداه، ولا يفهم منه التحريم بملك اليمين، لأن من لا يقدر على النكاح لعدم المال لا يقدر على شراء الحارية غالبا.
وفيه دليل على بطلان نكاح المتعة، ودليل على تحريم الاستمناء.
قوله تعالى: {فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} روي عن عطاء أنه قال: ما أراه إلا واجبا، وهو قول عمرو بن دينار.
واعلم أن إيجاب ذلك لا محمل له إلا التوقيف، وإلا فإجبار المالك على إزالة ملكه لا وجه له، ولا يقتضيه أصل الشرع وقياسه، لأن الكتابة بعيدة عن قياس الأصول، وتقتضي الأصول بطلانها، فيشبه أن يكون قوله: {فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} رخصة في الكتابة رفعا للحرج المتوهم، مثل قوله تعالى: {وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا}.
ومثل قوله: {فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} وكل ذلك رفع للحرج.
وكذلك، إذا قلنا الأصل امتناع الكتابة، إلا أن الشرع أرخص فيها وجوزها بطريق الرخصة، فمطلق الأمر فيه لا يظهر منه الوجوب.
ولأن تعليقها بابتغاء العبد مما يدل على أنها غير واجبة، ولو وجبت لوجبت حقا للشرع، غير متعلقة بابتغاء العبد.
والذي يخالف في ذلك وينصر مذهب عطاء يقول: إنما احتمل الشرع مخالفة قياس القواعد ابتغاء تحصيل العتق الذي هو حق اللّه تعالى، والمقصود به تفريغ العبد بحريته لطاعة اللّه تعالى، بعد أن كان كثيرا من أوقاته لغير حق اللّه عز وجل.
وإذا ثبت أن الأمر كذلك، فقد وضع اللّه تعالى ذريعة لتحصيل هذه المكرمة شرعا بلفظ الوجوب.
فمخالفة قياس الأصول كانت لتعظيم أمر الحرية، فمن أين مبعث الوجوب؟ نعم في قوله تعالى: {وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا} و{فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا}. كل ذلك لغرض غير غرض الشهادة وغير مقصود الشرع، وهاهنا هذا فيه تحصيل الحرية، فاحتمل فيه ما احتمل من مخالفة قياس الأصول لهذا المعنى، حتى جعل له في الزكاة قسط، ولم يجعل ذلك إلا ليتوصل به إلى الحرية، وأوجب كثير من العلماء فيه التأجيل إرفاقا بالعبد، فكان هذا الإرفاق مقصود الشرع بلفظ الأمر الدال على الوجوب، فما الذي منع من وجوبه؟
يبقى أن يقال: ولو كان واجبا لما توقف على ابتغاء العبد.
قالوا: إذا لم يتمكن العبد، فإجباره على الإضرار بنفسه لا وجه له، وإن كان العبد قادرا على الاكتساب، فلا شك في أنه لا يقصر في حق نفسه في سعي الكتابة، فبنى الشرع على الغالب، ونظيره أن الشرع أوجب الطهارة لدخولها في محاسن الأخلاق، وتحقيقا لمقصود النظافة والوضاءة وإحياء لمراسم العبادة، وعلم الشرع أن إيجابها عند تغيير الأكوان يجر حرجا، فوضع مراسم تفي بالمقصود.. كذلك هاهنا.
وهذا الذي ذكروه لا وجه له، فإن الترغيب فيه ليزيل عن القلوب ما فيها من منافاة قياس الأصول، ولو وجبت الكتابة لوجبت لمقصودها، وهو العتق، كالطهارة لما وجبت وجبت للصلاة، والعتق لا يجب بالإجماع.
ولا يتحتم بالاتفاق.
وقولهم إنها أوجبت ذريعة فضرب من الهذيان. فإن السيد قادر على استكساب العبد دون الكتابة، فليس يتجدد له بالكتابة حق.
وفيه إزالة ملكه من غير أن يحصل على مقابل له، فهذا تمام ما يستدل به على نفس الوجوب.
ثم قال تعالى: {وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ} الآية/ 33.
قال الشافعي: ثم أمر من يكاتب بالإيتاء، ولا يتصور هذا الإيتاء إلا من جهة حط شيء، ولا يمكن حمله على الزكاة، فإن السيد لا يجب عليه أن يفرق الزكاة إلى عبده إجماعا.
ولا شك أن ظاهر اللفظ لا يقتضي الحط، لأنه ليس بإيتاء للمال، وإنما يدل عليه من حيث المعنى، لأن قوله: {مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ}.
لابد أن يحمل على ملك تجدد بعد الكتابة، وصار مالا مستحقا للسيد، فمن هذا الوجه حسن إطلاق هذا اللفظ عليه.
وقال إسماعيل بن إسحاق في الرد على الشافعي: كيف تكون الكتابة ندبا والإيتاء واجبا؟ وإذا تبرع به لزمه أحكامه وتوابعه والقضايا المتعلقة به؟ ومعلوم أن النكاح غير واجب، وإذا نكح وجب فيه أحكام لها، وإذا طلق فلها المتعة واجبة على الزوج.
ومما ذكر أن إطلاق مال اللّه تعالى لا يقتضي إلا الزكاة، ومال اللّه تعالى في عرف الشرع لا يفهم منه إلا الزكاة، وما عداه لا يضاف إلى اللّه تعالى بحكم الإطلاق، وقد قسم اللّه تعالى الحقوق إلى ما يضاف إلى اللّه عز وجل، وإلى ما يضاف إلى الآدمي، وإن كان الكل حقا للّه تعالى.
والجواب أن هذا لما وجب بحق اللّه تعالى، ولغرض الحرية، حسن أن يقال: مال اللّه تعالى، لأنه قصد به وجه اللّه عز وجل وتحصيل ثوابه.
وربما قالوا: إن السيد لا يستحق على المكاتب مالا، حتى يصح أن يقال في الحط، إنه مال آتاه السيد، إنما كان مستحقا له، فأما ما ليس مستحقا له فلا يقال فيه توهم ما يملكه ويستحقه، فإذا لم يكن دين المكاتب مستحقا عليه، فمن أي وجه يوصف السيد بأنه آتاه مالا، وما آتاه شيئا ملكه، ولا شيئا استحقه.
ويجاب عنه بأنه يجوز أن يطلق ذلك، إذا كان المال ينساق إليه، فكأنه آتاه ماله من حيث إنه ينساق إليه وبالجملة، قوله: {وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ} مجاز في الحط من وجوه بينة وحقيقة في الزكاة، وقوله: {فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ} حقيقة أنه خطاب للسادة الذين يكاتبون، مع أنه يجوز أن يحمل على وجه آخر بطريق المجاز، فلم يسلم كل واحد من المحملين على مجاز، فإن كان كذلك، فلا يظهر مذهب الشافعي من حيث التعلق بالظاهر، ويتجه للشافعي أن يقول: إيتاء المكاتب الصدقات فهم من قوله تعالى: {وَفِي الرِّقابِ} فهذا لابد أن يكون له فائدة زائدة، تشهد له أن ما آتاه الواحد منا، يجب أن يكون على وجه إذا حصل عند المعطى يتصرف فيه، ولم يحصل للسيد عليه بدلا يستحق الصفة بأنه من مال اللّه الذي آتاه إياه، ولو كان الإيتاء واجبا، لكان وجوبه متعلقا بالعبد، ويكون العبد هو الموجب وهو المسقط وذلك مستحيل، لأنه إذا كان العبد يوجبه وهو بعينه يسقطه، استحال وجوبه، لتنافي الإيجاب والإسقاط.